عينان براقتان تطلان من النافذة, جسمٌ نحيل يجلس على كرسيٍ صغير في قاطرةٍ ضخمة تسير نحو المدينة, أحست بالملل من طول الانتظار , أوه لقد أتت الصحف تحمل في طياتها أخبار العالم , تناولت إحدى الصحف وبدأت بالقراءة , فاجأها إحساس غريب , نعم تحس أن هناك من يراقبها وضعت الصحيفة على ركبتيها وجعلت تراقب المكان , لايوجد من يراقبها , ربما كانت تتوهم , رفعت الصحيفة وأكملت القراءة , مازالت تشعر بأن هناك من يراقب حركاتها وسكناتها , قررت أن تحاول مراقبة المكان بدون أن يشعر أحد وكأنها لم تزل تقرأ , أوه انه ذلك الشاب الذي يوهم من حوله بأنه منهمكٌ بالقراءة لكن عيناه تتجه إليها بطريقة مريبة , قررت بأن تقابله بنظراتٍ أقوى وما إن وضعت الصحيفة حتى عادت عيناه إلى صحيفته وكأنه لم يفعل شيء , جعلت تتأمل في هندامها , إنه نظيفٌ ومرتب , لماذا ينظر إليَ إذن , تضايقت كثيراً من تحديقه بها والذي لايوجد له مبررٌ في نظرها , قررت بأن تذهب إلى الدهليز في مؤخرة القاطرة , وقفت وهمت بالذهاب ,أدارت له ظهرها ومشت نحو الدهليز , وهناك جلست تتأمل في وجهها البريء وشعرها البراق , لم تجد به مايعيبه , ونسيت بأن عيبه جماله الأخاذ , قررت الرجوع إلى مكانها بثقة تامة ولو نظر إليها من نظر , عادت إلى مكانها , أوه لم تعد تراه , يبدو أنه ذهب ,أحست بالراحة إذ كان مصدر قلقٍ لها , فتحت النافذة وجعلت أشعة الشمس تنير وجهها ونسيم الهواء يُلاعب ذوائبها وأمام ناظريها تقبع طبيعةٌ ساحرة , دعاها النوم فأجابت الدعوة وراحت في سباتٍ عميق , أقض مضجعها وأقلق نومها حلمٌ رأت فيه ذلك الشاب بعينه يقترب منها وقد أوجست منه خيفة وأزمعت الهرب لكنه كان أسرع منها إذ قبض على يدها وضمها إلى صدره وهي تحاول جاهدةً الفرار ولا فرار ,استيقظت مذعورة , أحست بأن هناك من يراقبها مجدداً, نظرت يمنةً ويسرة , فلم ترَ أحداً لكنها لم تطمئن فقررت ترك المكان بالكلية , وقفت وإذ بها ترى العجب العجاب , انه ذلك الشاب وقد كان قابعا خلفها ولم تنفك عيناه عن التحديق بها , تضايقت كثيرا , نظرت إليه بحدة , أجابها بابتسامة شفافة , قطبت عن حاجبيها , ازداد غضبها واعتبرت ذلك احتقاراً منه لها , تركت المكان بسرعة وذهبت وقد بدت على محياها علامات الغضب , ذهبت إلى أبعد بقعة عن ذلك المكان , فرأت مقعداً خالياً وجلست به , جعلت تفكر في أمر الشاب ونظراته , أخذ تفكيرها طابع الحيرة لأن تصرفات الشاب لامبرر لهامن وجهة نظرها , فلم يكن هناك سابق معرفةٍِ به , أتعب التفكير عقلها وأرسل النعاس شباكه على وجهها , فخلدت للنوم العميق , أحست بأن أمراً ما قد حدث , فتحت عينيها وإذا بها ترى الناس بحالة من الهلع , ,والفوضى تعم القاطرة , هؤلاء ذاهبون بسرعة وهؤلاء قادمون بسرعة , ولا يوجد من هو في مقعده سواها , لم تفهم مالقصة ؟ تبادر لذهنها أنهم وصلوا إلى المدينة , أوه كلا هذه الضوضاء ليست لأنهم وصلوا إلى المدينة , هناك أمرٌ خطير , حاولت أن تسأل الذين يمرون بها , لكن لم يرد عليها أحد, الكل مشغول , قررت الوقوف لتعرف الأمر بنفسها , حاولت الوقوف ولكن حدث التواءٌ في كاحلها الأيمن فسقطت متألمة , في أثناء ذلك مر عليها ذلك الشاب وهو مسرع , لكنها لفتت انتباهه فتوقف عندها ورآها تجلس مغمضة العينين تئِن وتتأوه من الألم وقد أمسكت برجلها , فجذب يدها وأخذ يهرول مسرعا , انجذبت إليه وسارت رغماً عنها مع أن قدمها تؤلمها , حاولت سحب يدها فلم تفلح,أخذت تصرخ دعني ..أطلق يدي .....اتركني " لكن صرخاتها ذهبت أدراج الرياح ثم أصابها الوجوم عندما رأت ذلك الحريق الهائل الذي مازال يلتهم القاطرة وقد كانت للتوٍ خارجةً منها عندها توقف الشاب , وعرفت أن له فضلٌ عليها فأقبلت عليه تريد شكره والاعتذار عما بدر منها ولكنها أصبحت خرساء عندما رأت وجهه وتذكرت أنه نفس الشاب الذي طالما ضايقها بنظراته وتحديقه لها في القاطرة , طأطأت رأسها إلى الأرض ,أحس بالذي يدور في خلدها ,فقال لها لاشكر على واجب ولاداعي للأسف وهمَ بالذهاب , عندها نطقت قائلة : انتظر ...أدار رأسه إليها قائلاً :هل هناك خدمة أخرى أقوم بها ؟ .....قالت : نعم ...ظهر السرور على محياه وقال بكل أدب : تفضلي أنا مسرورٌ بخدمتك يا آنسة ..رفعت رأسها وقالت : ألست ذلك الشاب الذي كان يحدق بي في القاطرة؟...أجاب : بلى وأعرف أنكِ في حيرةٍ من ذلك , أنا لا أعرفك ولكن كنتُ أحدق بك لأني ببساطة معجبٌ بكِ وأحسستُ بالارتياح نحو شخصكِ , قالت له وقد اكتست بثوبٍ من الحياء : لن أنسى معروفك ما حييت ,فقال لها : بلى سوف يغلبك النسيان إلا إذا....., رفعت رأسها و قالت : إلا إذا ماذا ....فقال : إذا كنتُ أمام وجهكِ دائماً وعلت منه قهقهةٌ غريبة فبادلته بضحكاتٍ بريئة وكان هذا الموقف بداية لصداقةٍ وحبٍ تكلل بالزواج بين الفتاة والشاب .
الاشتراك في:
تعليقات الرسالة (Atom)
.jpg)
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق